تجــاويف الحـلــم


عن تلك الكائنات الحية.. والتي تتخذ من أرواحنا جسداَ لها. تلك المخلوقات النورانية الشفافة المسماة أحلام .. تحيا بداخلنا إلى أن تولد على أرض الواقع .. وترحل للأبد في يوم مولدها ليبعث مكانها حلماَ جديدا لم تلوثه الظنون بعد .. يعدك بشيء افضل

بداخلنا تعيش أحلامنا .. تتغذى على ومضات أفكارنا .. تنمو وتزدهر عندما نفكر بها كحقيقة .. عندما نلمسها بأصابع مخيلتنا ونراها رأي العين .. وتذبل وتنزوي عندما تصعق بكهرباء أفكارنا السلبية .. بتجريحها ولومنا لها بأنها لن تتحقق أبداَ

لا نستطيع خداع أحلامنا .. فهي تعلم إذا ما كنا نريدها أم لا .. فهي تعلم مقدار حبك لها ومدى التمادي بسبلك في تحقيقها .. فإذا كنت حقا تتمناها .. فستشعر بها تنظر إلى عينيك وتربت على صدرك وتقول أعدك .. سأتجسد لك .. ولا عليك إلا أن تحلم بي .. مهما كان ما كان

للأحلام قدرات خارقة .. فهي قادرة على التحليق في أبعاد الزمان والمكان .. تستخدم قوى الكون كله لتتحقق بينما هي لا تطلب منك أكثر من ومضات عقلك الكهربية المشحونة بالصدق واليقين .. فإنك لا تدري قوة تأثير ومضة أمل من أعماق روحك على الكون في خط الزمن، كما لا تدري تأثير زفرة يأس تخرج من فمك الآن فتتحول في النهاية إلى إعصار مدمر يقذف بحلمك شبه المكتمل إلى أزمنة بعيدة

لا يموت الحلم أبداَ إلا إذا تحقق .. ولا يعتبر هذا موتاَ بل خلود .. وطالما لم تتحقق الأحلام.. فهي موجودة في مكان ما .. في زمان ما .. قد تظل سنوات تنتظرك لتتذكرها .. قد تهرب منك بعيداَ .. بعيداَ عن معاملتك القاسية لها واتهاماتك بأنها السبب فيما أنت فيه بدونها. ربما تظل تنتظرها وأنت تكرهها وتقضي حياتك في الانتظار .. لكنها سوف تتحقق على يد شخص سواك يحبها .. وعندها .. فلا تلوم إلا نفسك

للحلم شخصيته المستقلة وأدواته المجهولة لنا .. فلا تحاول فرض سيطرتك على حلمك ومحاولات احتوائه وإخضاعه لك بوسائلك العقلية المحدودة وتفكيرك المنطقي البسيط .. فقط أعطه براح التحرك .. أعطه وقتاَ ليطير بعيداَ ثم يعود إليك بدون أن تساورك الظنون بفقدانه .. تيقن أنه سيعود .. لا تحاول وضع القيود على أحلامك الجامحة .. كلها هناك .. كلها قابلة للتحقق .. لا تستكثرها عليك

في ولادة الحلم سيناريوهات وحبكات ومخارج لا نهائية .. يخرج إلى النور من فتحة أشبه بتجويف من بين ملايين التجاويف في صحراء مترامية الأطراف، قد تجلس بجوار فتحة من تلك الفتحات منتظراَ حلمك ليخرج منه.. فحساباتك وتقديراتك كلها تشير أن حلمك سيولد من هنا، لكنه يفاجئك بالظهور من فتحة أخرى بعيدة تماماَ عن جميع توقعاتك وحساباتك وقوانينك البشرية، ..فيظهر لك جلياَ شاباَ منتعشاَ .. لربما تتغير ملامح حلمك قليلا لكنه هو .. فإذا ما تغير قليلا .. فدائما ما يكون إلى الأجمل

كم من حلم فاجئنا بالتحقق من حيث لا ندري .. دائما ما يأتي لينقذ أرواحنا في الوقت المناسب عندما نكون في أمس الحاجة إليه .. تلك هي أحلامنا .. الكائنات الجميلة التي نحييها وتحيينا .. فلا تسئ بحلمك الظنون فإنه قادم إليك لا محالة .. ولا تبخل بومضات عقلك الجميلة .. فالحلم هنا .. منتظراَ الارتواء .. من أحلامك

وليد فاروق

أنشـــــودة الخــــريـــــف


الخريف....ذلك الفصل الزاخر بالأســرار..و المرتبط بوجداننا جميعا بدأ من ذكريات الطفولة حيث رائحة ثمار الجوافة المميزة لهذا الفصل مرورا برائحة الكتب المدرسية المجلدة و الملابس الجديدة المختلطة برائحة بقايا السندوتشات و برادة القلم الرصاص في الحقيبة المدرسية

تسير في الشوارع الناعسة ليلا...لسعة برد خفيفة تدغدغ أوصالك...ثمة رائحة غريبة في الجو..لعلها رائحة الشجن التي تعبق جزيئات الهواء...تسمع حفيف الأشجار التي تداعبها نسمات الريــاح...لون رمادي كئيب يغلف كل شئ...تشخص ببصرك نحو أعمدة الإضاءة الصفراء.. و التي تضفي لونا غريبا على الموجودات..كأنها لوحة قديمة أو حلم طالما راودك منذ الأزل

يتخلل الهـــواء رئتيك فلا تملك سوى إطلاق زفرة حارة من صدرك....زفرة تحترق لها النجوم.. وتختبئ من لهيبها الشهب الهاوية...يوجد طبقة رقيقة من الدموع المتجمدة تغلف مقلتي عينيك.

تبلل شفتيك بلسانك ..فتتذوق طعم حنين الذكريات...حتما لابد من ظهور الذكريات في الخريف...توجد دوما ذكرى حبيب قديم.. أو صديق غائب أو شئ مفقود...

تسير في وسط المدينة ..تتأمل الطرقات الخاوية و المباني العتيقة...لسبب ما تتذكر الذين عاشوا في هذه البنايات منذ زمن بعيد....تمر قطة بجوارك..فتشعر بعاطفة غريبة نحوها..تسقط ورقة شجر أمامك..فتشعر بالشجن..كأن قلبك هو الذي هوى من عل

تمر بجوار مقهى بلدي مازال ساهرا...فتسمع منه صوت أم كلثوم الشجي و هي تقول " سوف تلهو بنا الحياة .. و تسخر.. فتعالى..أحبك الآن..الآن أكثر" فتذوب روحك في صوتها و تشم رائحة المعسل المختلط بصوت الطرقعة الخاص بلعبة الطاولة والدومينو

كل هذا الجو الساحر يجعل من الحياة حولك لذة لا توصف

تقودك قدماك إلى النيل..ناعسا..مغلفا بطبقة من الضباب و الحزن و الأشجار...عندئذ تفيض عيناك بالدموع.. فلا يوجد من يقدر على تحمل كل هذا الشجن..عندها تترقرق الموجودات من حولك وأنت تنظر إلى المياه التي تسرى حثيثا في النهر..و تسمع صوت الأشجار المتجعدة العتيقة حولك يختلط من حين لأخر بصوت سيارة مسرعة تمرق من وراء ظهرك.. و تستنشق هواء النيل المفعم برائحة النباتات والأحجار الرطبة .. ولا بأس من رائحة الدخان الناتجة عن حرق قش الأرز. كل هذا المزيج من التوابل الطبيعية و الذي يضفي على روحك لذة حارقة من الممتع أن تشعر به.

و بعد حين .. تعود لدارك و أنت تدندن لحنا قديما كان منسيا في خزانة ذاكرتك لكنك لا تدري لما تذكرته الأن ...شاعرا بأن روحك محلقة في عوالم من البلورات الكريستالية.. و حواسك مرهفة لدرجة الشعور برائحة زهرة برية على بعد كيلومترات منك....تتنهد مرة أخرى و تقول لقلبك..إنها ليلة لا تنسى
فلا توجد هذه التوليفة الرائعة و المثيرة للخيال و الحب إلا في فصل الخــــريف
أجمل فصول الحيــــــاة

وليد فـــــاروق
خريف 2006

من قطـــار رقــم 911



اتخذت مقعدي بجوار النافذة في ذلك اليوم.. أنظر من خلالها إلى القضبان المعدنية وبقع الزيت المتناثرة على الأرض

تحرك القطار وبدأ معه فيض الأحلام و الذكريات...مازلت أنظر نحو القضبان المعدنية.. الشيء الوحيد الثابت مع تغير معالم العالم من حولي

قررت هذه المرة أن أمد بصري إلى باقي الأشياء القريبة والبعيدة... إلى الأفق...و النــاس..و العربيات...و أسفلت الطريق.. كوبري قديم .. مزلقان مكسر.. محطة صغيرة لكن القطار لم يعرها أي اهتمام..مدينة بسيطة.. غسيل منشور.. مية ناشعة.. كوم زبالة..(توقف القطار في بنها...أمامي (خارج النافذة رجل نائم على المقاعد الرخامية بالمحطة.. يا ترى بيحلم بأيه؟)

جرس محطة مشروخ.. شجر مترب .. عمارات بهتانة... و كوبري مكتف النيل الحزين.. أرض مزروعة.. جاموسة عشر..أبو قردان .. و نخلة واقفة هناك بعيدة.. وحيدة.. طفل حافي بيجر حماره.. برسيم حجازى.. ترعة راكدة.و قرنبيط... حمل صغير ينظر إلى القطار بعدم فهم... فلاح بجوار شجرة يحاول أن يشعل الجوزة.. برج حمام.. حصان هزيل. بيوت بطوب أحمر من غير إحساس.. سحابة غامقة فوق ماشية مع القطر..و القطر ماشى... غيطان موالح.. و شجر كافور.. طرنبة مية.. فلاحة.. بتحش النجيل... و أبراج كهربا.. و ضغط عالى.. شجرة مايلة.. فلاح بيبدر أرضه.. و ارض بور... واحدة بتنشر غسيلها.. وسط الغسيل المنشور..ومحطة تانية...مافيهاش غير شجرة مستنية على الرصيف...و طفل ماسك رغيف.. طحالب خضرا على جوانب المسقى.. بيت قديم .. فاس متساب جنب القضيب.. مدنة جامع .. أبراج كنايس.. سحاب كتير.. بالبرد حاسس....و ارض مروية.. وتانية عطشانة... عربيات بيجو....و عمدان نور مصدية.. خيال مأته.. وزة بتبلبط في المية...و أم الشعور بتغسل شعرها على الترعة... كلب أزعر.. جسر ضيق.. و عباد شمس .. بس مش باصص ليها.. يمكن مخاصمها النهاردة.. محرات بسيط.. ستات
شايليين حلل كتير... زلط قاسى....و القطر ماشى

وليد فاروق
يناير 2006