Showing posts with label 1. Show all posts
Showing posts with label 1. Show all posts

مـهـاتــرات ميتـافـيـزيقيــة



كل الحاجات كانت تضحك لما اقابلك
لا عرفت نفسي من بعدك ولا من قبلك

تتردد هذه الكلمات في أذني و أنا استيقظ من النوم مفزوعاً...... لم أستطع النوم لمدة خمس دقائق كاملة... فكلما تستسلم جفوني للنعاس...يُبرم طرف ملآءة السرير من تلقاء نفسه ويحاول الولوج في أذني ... عشرات المرات خلال الليل ... شعور محطم للأعصاب بجد

أنهض من الفراش في بطئ .. أجلس على طرفه توطئة لكي ارتدي خفي المنزلي... فأرى كلتا الفردتين وقد رأوني يهرعان ليتواريا تحت الدولاب... أفكر جدياً في شراء قطة لكي تصطادهما لي. ... أنهض عاري القدمين إلى الحمام لكي أغسل وجهي... أفتح الصنبور لأرى ما سيسيل منه اليوم.... اه... اليوم مرقة دجاج ... لا أريد مرقة دجاج .. أريد الماء فحسب ... لا.. لن أحلق ذقني اليوم ... فمنذ يومين و أنا أشذبها .. تحولت شفرات ماكينة الحلاقة الحادة إلى.. إلى ذلك المعجون اللزج الخاص بإزالة الشعر لدى النساء... أى.. كان الألم لا يطاق..إحتاج الأمر قرابة نصف الساعة لكي أخلص شاربي من تلك المادة العجماء

بوجه مغسول بالمرق... أرتدي ثيابى ثم أجلس على طرف الفراش ... أرفع قدمي اليمنى فيلمحني إصبعها الصغير..ينظر لي في حدة ... ثم يشير نحو وجهي في إتهام ويقول... لقد اسكتني بالأمس..لكني سأتكلم... أيها الوغد ... لن تجرؤ على إسكاتي اليوم أيضا... انـك مم مــممم بففففف ....... يصدر همهمات مكتومة...فقد أرتديت جوربي عليه....لم أر في حياتي إصبع قدم ثوري بهذه الطريقة....ثم إرتديت عليه الحذاء ...هذا كفيل بإخراسه تماماً ثم أحكمت ربطه بوحشية كأني أخنقه..أو أشنق نفسي

خرجت من البناية التي أقطنها .. علي أن آمر على معمل التحاليل الطبية بجواري لكي أعرف نتيجة تحليل الدم الذي أجريته البارحة .... فقد جرحت نفسي صدفة ... فقط لكي أكتشف إني أنزف دماً اخضر اللون ... فقررت أن أقوم بعمل هذا التحليل على سبيل أن الوقاية خير من العــلاج

أدلف من بوابة المبنى الذي به المعمل .. إنه في الطابق التاسع لذا ضغطت على زر إستدعاء المصعد فارتسمت على الشاشة الرقمية الخاصة بتحديد الطوابق صورة يد .. يد تحرك إصبعها السبابة يمينا ويساراً كناية عن الرفض .... أضغط مرة أخرى فتظهر كتابة على الشاشة تقول بوقاحة " مش نـــــازل!!!" ... يبدو إننى صرت مجنوناً لأني سألته بصوت مسموع " طب اعمل ايه أنا طيب؟؟" ... فرسم لي صورة درجات سلمية ثم كتب.."يمين في أول شمــال"

عند بلوغي الدور التاسع شعرت بما يشعر به الغريق والضائع في الصحراء ومريض القلب.. وذلك من فرط الدوار والعطش وضيق التنفس الذي اصابني.
أدخل المعمل لأجد الطبيب المسئول جالساً يطالع جريدة "مِخبــار اليوم". .. قلت له إني أريد نتيجة التحليل الخاص بي من فضله.. فقال لي وهو يقف من مجلسه .. آه.. أهذا أنت؟ .. إنتظر قليلاً .... وذهب إلى قاعة الإستقبال الكبيرة من المعمل .. فوقف على كرسي كان هناك وأنتزع شيئا ما من النجفة "الثريا" المعلقة ... ثم عاد لي وهو يقول... تحليل حضرتك يا أستاذ

أخذت منه الملف وفتحته ... كانت به صورة التحليل غريبة نوعاً... كانت صور شبه فوتوغرافية.. نظرت لها فوجدت الآتي: مجموعة من كرات الدم الحمراء وقد إرتدت "تيشيرتات" خضراء اللون فبدا اللون السائد هنا هو الأخضر...كان منهم من يلوح بيده.. ومن يبتسم للكاميرا في بلاهة... و منهم من يفرد إصبعيه راسماً علامة السلام... و كان البعض يحملون لافتات فحواها الإعتراض على شئ ما... كانت صورة تذكارية باسمة جداً

صورة أخرى بانورامية... تظهر كرات الدم وهي تتظاهر أمام الشريان الأورطي بالقلب..بينما يظهر القلب في الخلفية.. تماماً كصور مظاهرت جمعية حماية طائر البطريق أمام البيت الأبيض....ء
ز
 قال لي الطبيب.. لا تقلق...إنها مجرد مظاهرة سلمية لجذب الإنتباه ....... لكن المقلق في الموضوع إننا إكتشفنا أثناء التحليل مفاوضات سرية بين أعضاء جسدك.. فحواها حفر بعض الأنفاق وذلك لجعل... إحم.... لجعل عملية الإخراج تتم من أذنيك....و هذا.. إحم... هذا شئ محرج نوعــاً...... لم لا تحاول الذهاب إلى طبيب مختص لكي يوقف هذا التمرد....ز

 قلت له : وماذا عساه سيفعل؟؟ هل سيحقنني بمصل مكون من عصارة ضباط أمن الدولة والأمن المركزي وبعض الجرائد المثقوبة....  وذلك لكي يحبطوا حركة أعضاء الجسد... بقيادة الإرهابي أبو الأمعاء الغليظ.. ثم يعتقلوهم بداخل قفصي الصدري؟؟؟ .. لا تقلق.. سوف أرى ما يمكنني عمله... نظر إلى الطبيب نظرة خاوية مما يدل على أن دعاباتي سخيفة حقاً... لذا تركته وأنصرفت بدون اي كلمة إضافية

بعد هبوط درجات تسعة طوابق، وجدت نفسي في الطريق.... حائراً ككلب لولو أضاع عظمته المفضلة

لم تكن سيارتي معي، كنت أعتقد أن شخص ما سرقها ثم أوقفها على قضيب القطار.... لكني كنت أعلم أنها من إختارت لنفسها هذه النهاية.... بعين الخيال أراها ليلا تقف على شريط القطار... تبطل محركها.... تجذب فرامل يدها.... صوت المحرك المنطفي يعلو كنايه عن اللهاث... القطار يقترب بسرعة جنونية... أنوارها تنطفي وتضي لكي تشجعها على الثبات.... الوحش الحديدي الطويل يدنو ويعوي..... تفور المياة في الريدياتير من فرط الرهبة والخوف.... تحترق البوجيهات من العصبية... تطلق أله التنبية في صرخة مكتومة تعبيرا عن لوعتها قبل أن يحدث الإرتطـــــام ...................... وقد كان

كنت أعلم منذ زمن أنها تفكر بهذه النهاية... فمعدنها الصلب لم يتحمل قسوة ما حدث ..... كيف تجرؤ على العيش بدون الشئ الذي كان جسده يجلس على مقاعدها في إسترخاء... وأنفاسه العبقة تنبعث لكي تفعم زجاجها بالضباب... كيف تنسى من ضحك وبكى بداخل حضنها الدافئ وداعب بأنامله الرقيقة مراراً أزرار زجاجها الكهربائي..... لقد إختارت لنفسها هذه النهاية المريحة .... لكن منظر اشلائها المحترقة قد ارعب كوابيسي فعلاً

أشير لسيارة أجرة كي أذهب إلى العمل... فأدل السائق على وجهتي ثم أجلس بجانبه....... يضع شريطا في كاسيت السيارة لينبعث منه صوت محمد منير الغارق في اللوعة يقــول

كل الحاجات بتعذبني وأنا واحداني
تهرب قصادي وتقول لي ماتجيش تاني
دور على اللى كان ويـــــاك
تحت الورود..نايمة الأشواك
كل اللي يومها فرحته معاك
بيعذبني
كل الحاجــ.......ء

يسكت صوته فجأة وتقف الموسيقى ورائه... حتى إننى لظننت أن هناك عيبا ما في جهاز التسجيل.. إلا أن انبعث صوت منير عالياَ من الكاسيت يقول... " عم إبراهيم..!! الراجل اللى قاعد جنبك دة لو مانزلش من العربية دلوقتي... أنا مش هاغنيلك تاني.." .. تهدأ سرعة السيارة تدريجياَ إلى أن تقف إلى جانب الطريق ليقول لي عم إبراهيم....معلش يا بيه..... إنت عارف بقى.. فأرتجل من السيارة... فتنطلق باعثة ذلك الدخان الأسود الذي يدل على أن الموتور "مفـــوت"..... وأسمع صوت منير مرة أخرى يغني.. ويبتعد عني..... يبتعد ويتركني وحيداً

غارقــاَ في كأبتي المعهودة... وأفكاري السوداء

وليد فاروق 2007
اهداء ... لدكتور/ احمد خالد توفيق